سيد محمد طنطاوي

434

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : اللَّه عِنْدَه أَجْرٌ عَظِيمٌ معطوف على جملةنَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ . أي : واللَّه - تعالى - عنده أجر عظيم ، لمن آثر محبة اللَّه - تعالى - وطاعته ، على محبة الأزواج والأولاد والأموال . والفاء في قوله - سبحانه - * ( فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ ) * للإفصاح والتفريع على ما تقدم . و * ( مَا ) * في قوله : * ( مَا اسْتَطَعْتُمْ ) * مصدرية ظرفية . والمراد بالاستطاعة : نهاية الطاقة والجهد . أي : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن المؤمن الصادق في إيمانه هو الذي لا يشغله ماله أو ولده أو زوجه عن ذكر اللَّه - تعالى - فابذلوا نهاية قدرتكم واستطاعتكم في طاعة اللَّه - تعالى - وداوموا على ذلك في جميع الأوقات والأزمان . وليس بين هذه الآية ، وبين قوله - تعالى - اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه تعارض ، لأن كلتا الآيتين تأمران المسلم بأن يبذل قصارى جهده ، ونهاية طاقته ، في المواظبة على أداء ما كلفه اللَّه به ، ولذلك فلا نرى ما يدعو إلى قول من قال : إن الآية التي معنا نسخت الآية التي تقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه . قال الآلوسي : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت : اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِه اشتد على القوم العمل ، فقاموا حتى ورمت أقدامهم . فأنزل اللَّه هذه الآية * ( فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ ) * تخفيفا على المسلمين « 1 » . وحذف متعلق التقوى ، لقصد التعميم ، أي : فاتقوا اللَّه مدة استطاعتكم في كل ما تأتون وما تذرون ، واعلموا أنه - تعالى - يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ومن الأحاديث التي وردت في معنى الآية الكريمة ، ما رواه البخاري عن جابر بن عبد اللَّه قال : بايعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على السمع والطاعة ، فلقننى « فيما استطعت » . وعطف قوله - تعالى - * ( واسْمَعُوا وأَطِيعُوا ) * على قوله * ( فَاتَّقُوا اللَّه ) * من باب عطف الخاص على العام ، للاهتمام به .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 127 .